maghreb بلدان المغرب

Follow Us

Follow on Twitter    Follow on Facebook    YouTube Channel    Vimeo Channel    SoundCloud Channel    iPhone App    iPhone App

الموسيقى في حياة إدوارد سعيد

[المصدر موقع زمن برس] [المصدر موقع زمن برس]

اشتُـهر إدوار سعيد (1935-2003) عالميًّا بكتابه-النظرية: "الاستشراق"، وما أتبعه من كتب: "الثقافة والإمبريالية" و"تغطية الإسلام"، وكذلك بسيرته الذاتية "خارج المكان". وفي الحقيقة لا يمكننا حصْرُ المجالات النقدية والثقافية والفكرية التي أبدعَ فيها إدوار سعيد، إذ يُعرف بأنه مؤسّسُ "النقد الثقافي"، وأبرز مؤسّسي "دراسات بعد-الكولونيالية". لكنّ إدوارد كان موسيقيًّا أيضًا، وناقدًا وعازف بيانو، وقد أصدر ثلاثة كتب في النقد الموسيقي: "متتاليات موسيقية" و"الأسلوب المتأخّر" و"الموسيقى في أسمى صورها". الكتاب الأخير قدّمته زوجتُه مريم سعيد، وحدّثتْنا في المقدمة عن مكانة الموسيقى في حياة إدوارد: (1)

في مقدمتهِ لكتاب "متتاليات موسيقية"، وهو كتابه الأول في الموسيقى، يقول إدوارد سعيد إنّ "اهتمامه الأساسي في الموسيقى، يعود إلى أنه يعتبر الموسيقى الكلاسيكية الغربية حقلًا ثقافيًّا يعني لهُ الشيء الكثير، كناقدٍ أدبي وموسيقي". لكنني أرى من زاوية أخرى، أنّ اهتمامه بالموسيقى وعلاقته بها كظاهرة متغيّرة بشكلٍ ديناميكي، يعودان بأُصولهما العميقة إلى حياته الشخصية.

في مذكراته "خارج المكان"، يصف إدوارد كيف كان يتحسّسُ الموسيقى منذ أيام طفولته، فيقول: "كانت الموسيقى من إحدى جوانبها، تمرينًا مملًّا ومحبطًا على البيانو... ومن جانب آخر، كانت عالمًا من الأصوات الرائعة والرؤى، عالمًا واسعًا وثريًّا ومنظّمًا بشكلٍ عفويّ". اكتشف إدوارد هذا العالم من خلال مكتبة والديه الموسيقية المنتخبَة، ومن خلال استماعه في مساء كلّ أحدٍ إلى برنامج "ليالي الأوبرا" الذي تبثّه هيئة الإذاعة البريطانية.

بالنسبة إلينا، كانت الموسيقى الكلاسيكية الغربية جزءًا من حياتنا اليومية، فإدوارد يستمع إلى الموسيقى أثناء عمله، وأثناء عزفه على البيانو، وحين يأخذ استراحة مؤقتة من العمل أو يستلقي للاسترخاء. ومن ضمن قراءاته الواسعة، قرأ إدوارد الكثير عن الموسيقى، فقد كانت ثقافته الموسيقية هائلة، وكان مُحاطًا بمجموعة من الأصدقاء، هُمْ مثله، إما مثقفون مولَعون بالموسيقى، أو عازفون محترفون، وكان يحاورهم ويتبادل الآراء معهم على الدوام.

تزخرُ كتاباتُ إدوارد المتنوّعة بالأمثلة والاستشهادات الموسيقية، لكنني أعتقد أنّ وفاة "غلين غولد" (2) عام 1982 هي التي دفعتْ إدوارد للكتابة عن الموسيقى بشكلٍ جدّي. لقد أدركَ إدوارد أنّ موتَ "غلين غولد" أنهى مشروعًا لامعًا لعازف بيانو متفرّد، وقد دفعتْ هذه الحادثة إدوارد إلى الغوص عميقًا في حياة "غولد" ومنجزاته الموسيقية. راح إدوارد يواسي نفسَه بالاستماع إلى كلّ ما يستطيع الحصولَ عليه من تسجيلات "غولد"، وقراءة كلّ ما كتب عنه. وكذلك شاهد إدوارد جميع الأفلام السينمائية التي ألّفَ "غولد" موسيقاها التصويرية، والأفلام التي صُنعتْ عنه. صار "غولد" هاجساً مسيطراً على إدوارد، وبدا إدوارد غير قادرٍ على سُلُوان هذا العبقري المحبوب.

في كانون الثاني 1983، وبعد وفاة "غولد" ببضعة أشهر، تعرّضَ ابنُنا وديع لحادث طارئ، فخيَّمَ شبحُ الموت الرهيب على نواة عائلتنا. في اليوم الذي عرفنا فيه بإصابة ولدنا بالتهابٍ حادّ، وأنه بحاجةٍ للبقاء في المشفى من أجل متابعة العلاج، كنتُ مشلولة القوى من شدة الخوف. أما إدوارد فقد استوعبَ الحالة بسرعة، وبعد نصف ساعةٍ قال إنهُ يجب علينا أنْ نحضِّر أنفسنا للذهاب إلى الحفلة الموسيقية هذه الليلة، والتي سبقَ أن اشترينا بطاقات الدخول إليها. وقد ذهبَ إدوارد فعلًا، بينما بقيتُ في البيت خائفةً ومرتبكة. بعد سنواتٍ أدركتُ كم كان مهمًّا بالنسبة إليه؛ أنْ يلجأ إلى الموسيقى حين يصطدمُ بخطر الموت.
أثناء إقامة وديع في المشفى، عرفَ إدوارد أنّ والدته مصابة بالسرطان، وأنه ستخضع لعملية جراحية. لطالما ارتبطت الموسيقى عند إدوارد بوالدته، إذ كان بينهما الكثير من الذكريات الموسيقية المشتركة: "أُدين باهتمامي المبكّر بالموسيقى إلى والدتي وموهبتها الموسيقية الرائعة"، هذا ما ذكرهُ في "متتاليات موسيقية".

في أيار 1983، نشر إدوارد أولى المقالات التي يتضمّنها هذا الكتاب، وكانت عن "غلين غولد". وفي عام 1986 صار إدوارد ناقدًا موسيقيًّا معتمدًا في مجلة "The Nation" (3). ومنذ ذلك الحين، تزاوجَ نقدُه الموسيقي مع شغفه الشخصي بها. راح إدوارد يجمعُ أسطواناتٍ وتسجيلاتٍ متعدّدة لنفس الكونشرتوات والسيمفونيات والأوبرات، ويمضي ساعاتٍ طوالاً بالاستماع إليها. وصار لا يفوّت فرصةً لحضور أيّ حفل موسيقي أو أوبرالي. وكأنّ الموسيقى بموضوعاتها المتنوعة، والمؤلّفات الموسيقية بتعقيداتها، تتضافرُ معه في صراعه لمواجهة حقيقة مرض والدته وموتها الوشيك.

في هذه الفترة، سافرنا من نيويورك إلى واشنطن بالسيارة، من أجل زيارة الوالدة. إدوارد الذي يصرُّ عادةً على الكلام أثناء قيادة السيارة لساعاتٍ طويلة، أحضرَ معه هذه المرة كيساً قماشيّاً مليئاً بأشرطة الكاسيت، ووضعَه عند قدميّ في المقعد الأمامي، وحين اعترضتُ على ذلك، بدا وكأنني قد جرحتُه. كانت أوبرات "فاغنر" رفيقتنا على درب السفر لخمس ساعات، بينما كان الأولاد جالسين في المقعد الخلفي، يضعون السمّاعات في آذانهم ويستمعون إلى موسيقاهم الخاصة، كان مشهدًا سُورياليًّا بامتياز. أدركتُ على الفور، أن الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها إدوارد علاجَ الألم الذي سبّبهُ له مرضُ والدته، هو أنْ يُغرِق نفسَه كـلّـيًّـا في الأنغام الموسيقية الجميلة والعظيمة، ولا شكّ أن هذه الموسيقى تذكّره بطفولته مع والدته. توفيتْ والدة إدوارد عام 1990، وقد نشر كتابه "متتاليات موسيقية" عام 1991، وأهداهُ إلى ذكراها.

بعد سنة من وفاة والدته، أُصيب إدوارد بسرطان الدم، فصارت الموسيقى رفيقته الدائمة. وفي صيف 1998 كان مُجبرًا على الخضوع لعلاجٍ تجريبيّ قاسٍ ورهيب، وفي الوقت ذاته أعلن "كريستوفر هريك" (4) برنامجَ العروض الموسيقية التي سيقدّمها، ومن بينها 14 كونشرتو لـ "باخ" على الأرغن، فقام إدوارد بتعديل مواعيد جلسات العلاج لكيلا تتقاطع مع مواعيد العروض. وبالفعل حضرَ إدوارد جميع الحفلات الموسيقية تلك، وكتبَ عنها دراسةً منشورة في هذا الكتاب.

في هذه الفترة، بدأ إدوار باكتشاف فكرة "الأسلوب المتأخّر"، إذ أقرَّ بشكلٍ حاسم أنّ المؤلّفين الموسيقيين عند اقتراب حياتهم من النهاية، يؤلّفون موسيقى تتّصف بالصلابة والصعوبة والتناقضات التي يتعذّر تفسيرُها. وقد خصّصَ كتابه "عن الأسلوب المتأخّر" لدراسة الأعمال الأخيرة لعددٍ من كبار الموسيقيين. وبعد دراسةٍ مطوّلة لأعمال "فيلهيلم فورتفانغلر" (5) الذي سبقَ لإدوارد أنْ حضرَ حفلًا له في القاهرة، كتبَ إدوارد: "الزمنُ يسير ضدّي، إلى الأبد". وكأنه بذلك يرسمُ ممرًّا طويلًا يربطُ الموسيقى بالزمن، فلطالما شغلَ الزمنُ تفكيرَ إدوارد، بسرعته وزحفه العنيد نحو الأمام، وبالتحدّي الذي يفرضه عليه بأنْ يُنجز أعمالًا مهمّة قبل فوات الأوان. بالنسبة إليه، تشغلُ الموسيقى والزمن عالمًا واحدًا.

في حزيران 2003، قبل ثلاثة أشهر من وفاة إدوارد، اتصلَ بابن عمه القسّيس لكي يسأله: في أيّ مكان من "الكتاب المقدّس" ترد عبارة: "لكنْ تأتي ساعةٌ، وهي الآن"؟ وعندما سمع إدوارد الجواب، وضع السماعة والتفتَ إليّ، ثم قال إنه قلقٌ لأنه لا يعرفُ الموسيقى التي سوف تُعزف أثناء جنازته. فاجأني كلامُه وصعقني، فصمتُّ لبرهةٍ من الزمن. عرفتُ أنه يخبرني بأنّ النهاية قد أزفت، وأنه يُحتضَر.

[ترجمة: عبد الكريم بدرخان]

هوامش:

(1) Said, Edward: “Music at The Limits”. Columbia University Press. New York, 2008.

(2) غلين غولد (1932-1982): عازف بيانو كندي، ملحن ومايسترو ومنظّر موسيقي.

(3) أقدم مجلة أسبوعية أمريكية، تأسست عام 1865، وهي متخصصة بالشؤون السياسية والثقافية.

(4) كريستوفر هريك (1942-...): عازف أرغن وموزّع موسيقي بريطاني.

(5) فيلهيلم فورتفانغلر (1886-1954): مؤلف ومايسترو ألماني، يعتبر من أهمّ مؤلفي الأوبرات والسيمفونيات في القرن العشرين.

About Maghreb Page

Jadaliyya’s Maghreb Page delivers exclusive coverage on Algeria, Libya, Mauritania, Morocco, Tunisia, and the Western Sahara. As the role of the Greater Maghreb has been pivotal in the regional movements, it is imperative that coverage remains consistent and relevant. Jadaliyya offers incisive analysis--in Arabic, French, and English--through an academic and critical perspective.

Submissions to Maghreb Page

Listen to Jadaliyya

Maghreb Map and Stats

You need to upgrade your Flash Player

Algeria:

Population 34,994,937
GDP $251.1 billion
Unemployment
10%; Youth Unemployment (ages 15-24): 24.3%
Military Expenditures
3.3% of GDP (World Rank: 37)
Health Expenditures
5.8% of GDP (World Rank 114)

Libya:

Population 6,597,960
GDP 
$90.57 billion
Unemployment 
30%; Youth Unemployment (ages 15-24): n/a
Military Expenditures
3.9% of GDP (World Rank: 26)
Health Expenditures
6.6% of GDP (World Rank: 89)

Mauritania:

Population 3,359,185
GDP 
$7.242 billion
Unemployment 
30% (2008); Youth Unemployment (ages 15-24): 67%
Military Expenditures
5.5% of GDP (World Rank: 12)
Health Expenditures
5.7% of GDP (World Rank: 121) 

Morocco:

Population 32,309,239
GDP 
$163 billion
Unemployment 
9.2%; Youth Unemployment (ages 15-24): 21.9%
Military Expenditures
5% of GDP (World Rank: 16)
Health Expenditures
5.5% of GDP (World Rank: 128)

Tunisia:

Population 10,629,186
GDP 
$100 billion
Unemployment 
13%; Youth Unemployment (ages 15-24): 30.7%
Military Expenditures
1.4% of GDP (World Rank: 109)
Health Expenditures
6.2% of GDP (World Rank: 100) 

Western Sahara:

Population 522,928
GDP 
$906.5 million
Unemployment 
n/a; Youth Unemployment (ages 15-24): n/a
Military Expenditures
n/a
Health Expenditures
n/a